عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

63

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الفصل العاشر في فضل نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - على سائر الأنبياء - عليهم السلام - وختم النبوة به قال اللّه تعالى : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النّساء : 113 ] اعلم أن اللّه تعالى فضل الأنبياء بعضهم على بعض بقوله : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ البقرة : 253 ] فأعطى لكل نبي فضلا ، ثم جمع الفضل كله ، وزاد عليه حتى صار فضلا عظيما ، فأعطاه نبينا - صلى اللّه عليه وسلم - . كما قال تعالى : وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ النّساء : 113 ] ثم بين النبي - صلى اللّه عليه وسلم - فضل اللّه عليه ، وما زاد في فضله على الأنبياء بقوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « فضلت على الأنبياء بست : أوتيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب مسيرة شهر ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون » « 1 » والحديث صحيح . وفي رواية أخرى : « وأعطيت الشفاعة » . فأما تحقيق هذه المسائل الست فقوله : « أوتيت جوامع الكلم » تشير إلى أن اللّه تعالى لما أراد أن يظهر كنزا مخفيا ذاته ، وصفاته ، اتخذ عبده ونبيه المصطفى على العالمين حبيبا بمقتضى حكمته البالغة ، وإرادته القديمة السابقة وقدر له روحا نورانيا لطيفا من عالم الأمر ، وهو ما خلق بأمر كن من غير مادة مستعدا لقبول فيض الألوهية بلا واسطة ، وجسدا جسمانيا ظلمانيا كثيفا من عالم الخلق ، وهو ما خلق من المواد المختلفة مستعدا لقبول فيض الروح المستفيض من الحضرة بالوسائط ، ليكون جسده مستفيضا من روحه ومظهرا لصفات روحه . مستفيضا من الحضرة الربوبية ومظهرا لصفاته ، وإذا تعلق الروح بالجسد تاما ، وعصم الروح من آفات الجسد الظلماني ، وخواص صفاته المنشأة منه كما سيجيىء شرحها إن شاء اللّه تعالى ، لئلا يحتجب عن قبول الفيض من الحضرة بها ، يكون قابلا لتجلي ذات الألوهية وصفاتها مظهرا للكنز المخفي كالمرآة في إظهار الكنز الخفي من صورة الشخص عن غيره ، على ذلك الغير تفهم إن شاء اللّه تعالى ؛ ولما كان للروح اللطيف حاجة في المراقبة بجسد كثيف ليقبل العكس بلطافته الروحانية ، ويحفظ بكثافته الجسمانية شرع في تدبيره بتقدير العزيز الحكيم ، فكان مثال تدبيره في إنشاء الجسد مثال تدبير البذر في الثمرة التي هي

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب المساجد ، حديث رقم ( 5 - 523 ) . ورواه أحمد عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 9357 ) ، ورواه غيرهما .